كريم طابو على آثار معطوب الوناس..
كريم طابو رجل شهم أظهر أكثر من مرة، أنه حسن التدبير. على صغر سنه، يمكن وصفه بالسياسي المحنك. تدخلاته الأخيرة أظهرت بما لا يحتمل الشك، إمكاناته في فهم القضايا المتعلقة بالحكم وتسيير شؤون العباد. إنه شاب نادرا ما نجد مثله في أروقة القبائل دون أن يهجن من طرف النظام. بإمكانه أن يغطي بظله زعيم القوى الاشتراكية وهذا ما يفسر تكالب خصومه ضده هذه الأيام. ويا للغرابة، كلما ظهر رجل يبدي استعدادا لتحمل المسؤوليات، ثارت ثائرة المقربين إليه ووجدوا له ألف عذر لتركيعه وتقزيمه. والأغرب في ذلك أن يحدث هذا في صفوف الأففس الذي كان من المفروض أن يكون كيّسا حذرا بسبب موقعه الذي لا يحسد عليه بين الذئاب المحليين.
إن ما قاله مسئول الأففس يعبر بحق عن الحالة السياسية العفنة في الجزائر. فالنظام وبمباركة الأحزاب "الهوائيات" زائدا السعيد سعدي، كما قال "يجري حاليا انتخابات داخلية لاختيار الرئيس القادم متجاوزة منطق محاولة تجميل الانتخابات إلى منطق ''دزّو معاهم''. ذلك أن الشعب الجزائري المعاصر قد كسّر - بضم الكاف - كما يكسر الإبريق وتشقق وأصبح ذو قابلية لسياسة "دزّو معاهم" ولا شك أنه سيكون وفيا لها في الشهور والأعوام القابلة. ولم لا، وهو الذي، بعد سنوات الجمر، عانى الأمرين واحترق من جميع الجهات ووجد أن نار النظام أرحم في آخر المطاف. النظام يملك الموت والحياة ويملك العصا والخبز. أما الفيس والأففس وغيرهما من السنافير، فلا يملكون إلا الآلام الدموع والجراح، والشعب منها قد شبع. فمقابل سياسة "دزو معاهم" لا يملك إلا أن يقول بأعلى صوته: فاقو، فالدنيا مع الواقف. أم علي بلحاج وكريم طابو وغيرهما، يطبطبوا..
أما القول إن "النظام نجح في حشد الرأي العام والصحافة والطبقة السياسية حول موضوع تعديل الدستور" فهذا كلام فارغ لا معنى له، إذا عرفنا أن الجزائر تخلو من هؤلاء جميعا. لا صحافة ولا طبقة سياسية ولا هم يحزنون.. فمن أين لنا الرأي العام؟ والسيد طابو نفسه يؤكد ذلك في قوله: "هؤلاء لا علاقة لهم بالملف ولا يمكنهم التأثير فيه". ذلك أن "النظام الحقيقي يبقى مختفيا في الظلام" كما قال.
وإنه ليعجبني ما قاله السيد طابو إن "تعديل الدستور تجسيد لنظام لا أستطيع أن أقول ملكي، لأن الملكية لها قواعدها، ولكنه نظام احتقار للشعب، ولا يمكن حتى وصفه بالنظام الفردي، لأني لا أعتقد أن لبوتفليقة سلطة حقيقية". نظام كما قال عنه آيت منقلات، "أحكيم أورنسعارا احكيم". ولا اتفق مع طابو فيما ذهب إليه أن "هذا النظام وصل إلى الإقصاء النهائي للمواطنين من اللعبة السياسية". فالشعب لم يقصه أحد بل أقصى نفسه بنفسه بعد أن أبدى استعداده، أفرادا وجماعات، للولاء والتبعية والخنوع. هناك مثل عندنا يعبر يصدق عن هذه الحالة المحبطة: "قال الولد لوالده آسفا: أبتاه، لقد ضربونا".
فرد عليه الوالد العارف المغلوب على أمره: "إي بني، ضربونا لأنهم يعرفوننا.."
فلم يطمعوا في إقصاء الممثلين الحقيقيين للشعب إلا بعد أن عرفوهم ودرسوا نزعاتهم وميولهم، فكان لهم ما يرغبون إلى حين يفيق هذا الشعب المغبون من سباته العميق.
أما عن العهدة الثالثة أو الرابعة والخمسين أو الثانية والستين، فلا تضرنا في شيء طالما بقيت قواعد الحكم على حالها. إن مأساة الجزائر لا تكمن في الأشخاص ما دام الجزائريون يفكرون بعقلية الشرعية الثورية ويرضخون لسفاهتها. فما دام جيل حرب التحرير في الحياة، لن تقوم للجزائر قائمة. ذلك أن الحسابات كلها مزورة. وإن أي طرح خاطئ للمسألة سيؤدي حتما إلى نتائج خاطئة. وفي هذا الجو الضبابي، لا يمكن حسم الأمور ولا يمكن أن نحسن الاختيار. خاصة أن الذين يقدمون لنا لا يخرجون عن منطق النزعة القتالية. فكلهم سواء ومن الأحسن أن يبقوا على من هو في الميدان ويركبنا كما يشاء. ولنا أن نشاهد كرنفال موسى تواتي، سعيد سعدي، ولويزة حنون وسلطاني وغيرهم.
من هذا الباب، فالرئيس أويحيى لا يلام، لأنه يؤدي دوره كاملا وكما أعلن عنه صراحة. ثم، والمنطق يفرض ذلك، لا بد من إيجاد رجل لكل مهمة وإن كانت قذرة. وهذا الرجل صاخب كل المهمات كما قال عن نفسه. هم أصلح كل الجزائريين للقيام بمهمة تكريس هذا النظام، كشر لا بد منه لمواصلة المسير نحو المجهول.
أما السؤال: "هل تنظيم انتخابات محسومة نتائجها مسبقا في مصلحة النظام الذي يحاول إعطاء أي عملية انتخابية الحد الأقصى من المصداقية؟" فأنا شخصيا، أجيب بنعم. فهو أولا، لا يكترث بشيء اسمه المصداقية. لسان حاله يقول: "عيّشني اليوم واقتلني غدوا". ثم إنه نظام براغماتي لا تهمه سوى الأرقام التي سوف تعلن بعد الكارنفال والتي سوف يزكيها ما يسمى بالمجتمع الدولي الذي يفضل نظاما تابعا على نظام شعبي هو يعرف مكوناته. أما الأخلاق السياسية فطز ثم طز فيها، خاصة وأننا في ظل الحالة الاستثنائية، لا يجب أن ننسى.
أقول هذا الكلام وتدغدغني أفكار توحي ببعض التفاؤل. فمن قال إن هذا النظام يخلو نهائيا من رجال لا يسعون إلى التغيير كما نحلم به؟ ومن قال إن الرئيس بوتفليقة لن يتنازل عن الحكم بمحض إرادته فيساهم بما يخلده في إرساء قواعد حكم عادل؟ ومن قال إنه لا يوجد بين المقررين من يود أن تكون الانتخابات هذه المرة، مثالا للنزاهة والنقاء لتنبثق عنها سلطة حقيقية نابعة من إرادة شعبية سوف تنال احترامنا؟ دعوني أحلم، ولو أنني على يقين أن شعبنا لا يزال يجهل ماذا يريد. فمبروك للمافيا أينما كانوا لأن العصر عصرهم والرأي رأيهم والجزائر الآن غنية.
ولا يسعنا نحن "المحقورين" إلا أن نضع عيوننا وآذاننا في خدمتهم فنحذرهم من السيل الجارف الذي علاماته في الأفق. يا ناس، إن السقف من التبن والحرارة شديدة والتدخين ليس ممنوعا. والحذر الحذر من هول الحريق:
هي الدنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من بطشي وفتكي
فلا يغـررك مني ابتسـام **** فالقول مضحك والفعل مبكي
وأختم كلامي بنصيحة، أرجو من السيد طابو ومن على شاكلته، أن يسمحوا لي بها: أعيدوا قراءة التاريخ الجزائري ضعوا نصب ذاكراتكم المثل المشهور عندنا والقائل: ثيخسي ذيذامنيس إتسينغان.
العيد دوان
كريم طابو رجل شهم أظهر أكثر من مرة، أنه حسن التدبير. على صغر سنه، يمكن وصفه بالسياسي المحنك. تدخلاته الأخيرة أظهرت بما لا يحتمل الشك، إمكاناته في فهم القضايا المتعلقة بالحكم وتسيير شؤون العباد. إنه شاب نادرا ما نجد مثله في أروقة القبائل دون أن يهجن من طرف النظام. بإمكانه أن يغطي بظله زعيم القوى الاشتراكية وهذا ما يفسر تكالب خصومه ضده هذه الأيام. ويا للغرابة، كلما ظهر رجل يبدي استعدادا لتحمل المسؤوليات، ثارت ثائرة المقربين إليه ووجدوا له ألف عذر لتركيعه وتقزيمه. والأغرب في ذلك أن يحدث هذا في صفوف الأففس الذي كان من المفروض أن يكون كيّسا حذرا بسبب موقعه الذي لا يحسد عليه بين الذئاب المحليين.
إن ما قاله مسئول الأففس يعبر بحق عن الحالة السياسية العفنة في الجزائر. فالنظام وبمباركة الأحزاب "الهوائيات" زائدا السعيد سعدي، كما قال "يجري حاليا انتخابات داخلية لاختيار الرئيس القادم متجاوزة منطق محاولة تجميل الانتخابات إلى منطق ''دزّو معاهم''. ذلك أن الشعب الجزائري المعاصر قد كسّر - بضم الكاف - كما يكسر الإبريق وتشقق وأصبح ذو قابلية لسياسة "دزّو معاهم" ولا شك أنه سيكون وفيا لها في الشهور والأعوام القابلة. ولم لا، وهو الذي، بعد سنوات الجمر، عانى الأمرين واحترق من جميع الجهات ووجد أن نار النظام أرحم في آخر المطاف. النظام يملك الموت والحياة ويملك العصا والخبز. أما الفيس والأففس وغيرهما من السنافير، فلا يملكون إلا الآلام الدموع والجراح، والشعب منها قد شبع. فمقابل سياسة "دزو معاهم" لا يملك إلا أن يقول بأعلى صوته: فاقو، فالدنيا مع الواقف. أم علي بلحاج وكريم طابو وغيرهما، يطبطبوا..
أما القول إن "النظام نجح في حشد الرأي العام والصحافة والطبقة السياسية حول موضوع تعديل الدستور" فهذا كلام فارغ لا معنى له، إذا عرفنا أن الجزائر تخلو من هؤلاء جميعا. لا صحافة ولا طبقة سياسية ولا هم يحزنون.. فمن أين لنا الرأي العام؟ والسيد طابو نفسه يؤكد ذلك في قوله: "هؤلاء لا علاقة لهم بالملف ولا يمكنهم التأثير فيه". ذلك أن "النظام الحقيقي يبقى مختفيا في الظلام" كما قال.
وإنه ليعجبني ما قاله السيد طابو إن "تعديل الدستور تجسيد لنظام لا أستطيع أن أقول ملكي، لأن الملكية لها قواعدها، ولكنه نظام احتقار للشعب، ولا يمكن حتى وصفه بالنظام الفردي، لأني لا أعتقد أن لبوتفليقة سلطة حقيقية". نظام كما قال عنه آيت منقلات، "أحكيم أورنسعارا احكيم". ولا اتفق مع طابو فيما ذهب إليه أن "هذا النظام وصل إلى الإقصاء النهائي للمواطنين من اللعبة السياسية". فالشعب لم يقصه أحد بل أقصى نفسه بنفسه بعد أن أبدى استعداده، أفرادا وجماعات، للولاء والتبعية والخنوع. هناك مثل عندنا يعبر يصدق عن هذه الحالة المحبطة: "قال الولد لوالده آسفا: أبتاه، لقد ضربونا".
فرد عليه الوالد العارف المغلوب على أمره: "إي بني، ضربونا لأنهم يعرفوننا.."
فلم يطمعوا في إقصاء الممثلين الحقيقيين للشعب إلا بعد أن عرفوهم ودرسوا نزعاتهم وميولهم، فكان لهم ما يرغبون إلى حين يفيق هذا الشعب المغبون من سباته العميق.
أما عن العهدة الثالثة أو الرابعة والخمسين أو الثانية والستين، فلا تضرنا في شيء طالما بقيت قواعد الحكم على حالها. إن مأساة الجزائر لا تكمن في الأشخاص ما دام الجزائريون يفكرون بعقلية الشرعية الثورية ويرضخون لسفاهتها. فما دام جيل حرب التحرير في الحياة، لن تقوم للجزائر قائمة. ذلك أن الحسابات كلها مزورة. وإن أي طرح خاطئ للمسألة سيؤدي حتما إلى نتائج خاطئة. وفي هذا الجو الضبابي، لا يمكن حسم الأمور ولا يمكن أن نحسن الاختيار. خاصة أن الذين يقدمون لنا لا يخرجون عن منطق النزعة القتالية. فكلهم سواء ومن الأحسن أن يبقوا على من هو في الميدان ويركبنا كما يشاء. ولنا أن نشاهد كرنفال موسى تواتي، سعيد سعدي، ولويزة حنون وسلطاني وغيرهم.
من هذا الباب، فالرئيس أويحيى لا يلام، لأنه يؤدي دوره كاملا وكما أعلن عنه صراحة. ثم، والمنطق يفرض ذلك، لا بد من إيجاد رجل لكل مهمة وإن كانت قذرة. وهذا الرجل صاخب كل المهمات كما قال عن نفسه. هم أصلح كل الجزائريين للقيام بمهمة تكريس هذا النظام، كشر لا بد منه لمواصلة المسير نحو المجهول.
أما السؤال: "هل تنظيم انتخابات محسومة نتائجها مسبقا في مصلحة النظام الذي يحاول إعطاء أي عملية انتخابية الحد الأقصى من المصداقية؟" فأنا شخصيا، أجيب بنعم. فهو أولا، لا يكترث بشيء اسمه المصداقية. لسان حاله يقول: "عيّشني اليوم واقتلني غدوا". ثم إنه نظام براغماتي لا تهمه سوى الأرقام التي سوف تعلن بعد الكارنفال والتي سوف يزكيها ما يسمى بالمجتمع الدولي الذي يفضل نظاما تابعا على نظام شعبي هو يعرف مكوناته. أما الأخلاق السياسية فطز ثم طز فيها، خاصة وأننا في ظل الحالة الاستثنائية، لا يجب أن ننسى.
أقول هذا الكلام وتدغدغني أفكار توحي ببعض التفاؤل. فمن قال إن هذا النظام يخلو نهائيا من رجال لا يسعون إلى التغيير كما نحلم به؟ ومن قال إن الرئيس بوتفليقة لن يتنازل عن الحكم بمحض إرادته فيساهم بما يخلده في إرساء قواعد حكم عادل؟ ومن قال إنه لا يوجد بين المقررين من يود أن تكون الانتخابات هذه المرة، مثالا للنزاهة والنقاء لتنبثق عنها سلطة حقيقية نابعة من إرادة شعبية سوف تنال احترامنا؟ دعوني أحلم، ولو أنني على يقين أن شعبنا لا يزال يجهل ماذا يريد. فمبروك للمافيا أينما كانوا لأن العصر عصرهم والرأي رأيهم والجزائر الآن غنية.
ولا يسعنا نحن "المحقورين" إلا أن نضع عيوننا وآذاننا في خدمتهم فنحذرهم من السيل الجارف الذي علاماته في الأفق. يا ناس، إن السقف من التبن والحرارة شديدة والتدخين ليس ممنوعا. والحذر الحذر من هول الحريق:
هي الدنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من بطشي وفتكي
فلا يغـررك مني ابتسـام **** فالقول مضحك والفعل مبكي
وأختم كلامي بنصيحة، أرجو من السيد طابو ومن على شاكلته، أن يسمحوا لي بها: أعيدوا قراءة التاريخ الجزائري ضعوا نصب ذاكراتكم المثل المشهور عندنا والقائل: ثيخسي ذيذامنيس إتسينغان.
العيد دوان

0 commentaires:
Enregistrer un commentaire